محمد عزة دروزة
31
التفسير الحديث
بالخصومة ، فبرز إليهم الثلاثة الأولون . ومن ذلك عن ابن عباس أن الخصمين هما أهل الكتاب والمسلمون ، حيث قال الأولون للآخرين : نحن أولى باللَّه وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم وقال الآخرون للأولين : نحن أحقّ باللَّه آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل اللَّه من كتاب فأنتم تعرفون نبيّنا وكتابنا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا . ومن ذلك عن مجاهد أن الخصمين هما المشركون والمسلمون اختصموا أيّهم على حقّ . ومن ذلك عن مجاهد أن الخصمين الجنة والنار حيث قالت الأولى خلقني اللَّه لرحمته وقالت الثانية خلقني لعقوبته . والرواية الأولى من مرويات الشيخين ونصّهما هو : « كان أبو ذرّ يقسم أن هذه الآية نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في يوم بدر » ( 1 ) . وقد روى الشيخان كذلك عن علي قوله : « أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة . قال قيس وفيهم نزلت * ( هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) * قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة » ( 2 ) . وقد صوّب الطبري من هذه الروايات رواية كون الآية في صدد الكفار عامّة والمؤمنين عامة . حيث يفيد أن ما رواه الشيخان لم يثبت عنده ، والروايات الأخرى تفيد هذا أيضا . وتقتضي رواية الشيخين أن تكون الآية مدنية ، ولم يرو أحد ذلك بصراحة والأسلوب والطابع المكيان بارزان عليها ، والنفس مطمئنة بتصويب الطبري ، مع القول أنها بسبيل توكيد ما انطوت عليه الآيات السابقة من صدق الدعوة النبوية وما فيها من حقّ وهدى ، والتنويه بالذين استجابوا لها وبشرى لهم ، وبسبيل توكيد خطأ الكافرين بها وضلالهم وإنذارهم . وأسلوبها التقريري العام مما يؤيد ذلك حيث تضمّن تقرير كون الناس من الدعوة النبوية فريقين جاحد ضالّ ومؤمن مخلص ولكل مصيره الذي يستحقه . ووصف مصير كل فريق نافذ يثير الرغبة والشوق والغبطة من جهة ، والفزع والرعب من جهة أخرى . وهذا وذاك مما استهدفته الآيات كأمثالها العديدة .
--> ( 1 ) التاج ج 4 ص 160 - 161 . ( 2 ) المصدر نفسه .